بين زيف السيطرة وعدل الفطرة: قراءة في المساحة الثالثة وجداريات الحروف

بين زيف السيطرة وعدل الفطرة: قراءة في المساحة الثالثة وجداريات الحروف

تقييم 0 من 5.
0 المراجعات

بين زيف السيطرة وعدل الفطرة: قراءة في المساحة الثالثة وجداريات الحرف

​صيغت حروفي من واقعٍ لا يرى للعدل مكانًا، ولا يسمع أنين المظلوم إلا إذا وافق هواهُ والزمانا. نبكي ونصرخ ونشتكي، ووجعُنا تشكوه الأيام، وتحمل الريح صدى حكاياتنا من بيتٍ إلى بيت، ومن قلبٍ إلى قلب، ثم يعود الصدى إلينا أثقلَ مما كان.

​ويعود الماضي بقسوته وأحكامه، يجرُّ خلفه سلاسل العادات، ويضع فوق أفواهنا أقفالًا من الخوف، ثم يقولون: اصمتوا... فذلك أدب، واصبروا... فذلك دين، واحتملوا... فذلك من الحكمة واليقين.

​وما أقسى أن تُلبس الأهواءُ ثيابَ الوعظ، وأن تُزيَّن القيودُ باسم الفضيلة، وأن يُجعل الصمتُ عبادة، والخضوعُ طاعة، والظلمُ سترًا للعائلة، والقهرُ صبرًا تؤجر عليه الضحية! فنجد لحيةً وعمامةً في ثياب الواعظين، كالثعلب في مكره واحتياله، يُحسن تزيين الكلام، ويُتقن انتقاء النصوص، ويضع للهوى ألفَ شاهد، ثم يزعم أن حكمه حكمُ السماء. ومخدوعٌ من ظنَّ أن للثعلب دينًا، فليس كلُّ من رفع المصحفَ عالمًا، ولا كلُّ من أكثر الحديث عن الحلال والحرام كان قلبه يعرف معنى الحلال والحرام.

​فالدينُ ليس سوطًا في يد الأقوياء، ولا جدارًا يُحاصر خلفه الضعفاء، ولا سيفًا يُشهر في وجه امرأة كلما طالبت بحقٍّ أو سألت عن عدل. فبين «ريد بيل» و«نسوية»، تتجاذبنا أفكارٌ ومعتقداتٌ مجتمعية، كلُّ فريقٍ يرفع رايته، ويظن أن النجاة لا تكون إلا في معسكره، حتى صار الإنسانُ نفسه آخرَ ما يُنظر إليه.

​وحاكمُ تلك المعارك هوىً وعنصرية، تارةً تُقدَّس العاداتُ لأنها قديمة، وتارةً تُقدَّس الأفكارُ لأنها حديثة، وبين القديم والجديد يضيع الإنسان. وما بين صوتٍ يصرخ: «تمرّد!» وصوتٍ آخر يصرخ: «اخضع!» تبقى هناك مساحةٌ ثالثة، أهدأ من الصراخ، وأقوى من الخضوع: أن تعرف حقك دون أن تظلم، وأن تطلب العدل دون أن تتجبر، وأن تتمسك بدينك دون أن تجعل الدين مطيةً لهواك.

​ومن هذه «المساحة الثالثة»، وحين حاول البعض اختزال العقول وتقليل الفطرة بمفاهيم مبتورة، لم أجد أرقى من لغة القرآن ومخارج حروف التجويد لأصوغ منها رداً يجمع بين رزانة العقل وجمال الفطرة؛ فالحروف التي يُجود بها القرآن هي ذاتها التي علّمتنا كيف تتوازن الأرواح بين تفخيم وترقيق، واستعلاء واستفال:

​إن كُنتُ ناقصةَ عقلٍ.. فارحَمْ نقصانَ عقلي

ولا تُعاملني بعقليتك.. ولكن عامِلني بعقلي

فلا تُعاملني بدونية.. وتَعيبُ في خِلْقَةٍ فطرية

فأنا كالراءِ لي حالات.. مفخمةٌ مرققةٌ تارة

وفي سكوني نَظَرٌ لما قبلي.. وفي صمتي كلامٌ وحكايات

ولستُ كأَلِفٍ تابعة.. بل من حرفٍ مستقلٍ نابعة

ولا تكن لي كصادٍ مستعلية.. مطبقةٍ مفخمةٍ صفيرية

وكن رَخْواً عند اضطرابي مستفلاً.. وهمساً عند تكراري منفتحاً

أكن رقيقةً بعد انفتاحك لا استعلاء.. متوسطةً لك وفي الانحرافِ ميلٌ واحتواء

وفي الاعوجاج كمالٌ واستقامة.. وفي العاطفة حياةٌ وسلامةimage about بين زيف السيطرة وعدل الفطرة: قراءة في المساحة الثالثة وجداريات الحروف

​إن البيوت لا تُبنى بالسيطرة أو بالخضوع الأعمى، بل بالرحمة، والعدل، والمودة، واستيعاب الطبيعة البشرية. وكما أن في التجويد أحكاماً تُعدل النطق وتحمي اللسان من الزلل، فإن في التفاهم الإنساني حكمةً تحمي القلوب من القسوة، وتمنح النفس كرامتها واستقامتها.

التعليقات ( 0 )

الرجاء تسجيل الدخول لتتمكن من التعليق

مقال بواسطة
summer sadek تقييم 5 من 5.
المقالات

7

متابعهم

11

متابعهم

9

أكثر المقالات تقييمًا هذا الأسبوع
مقالات مشابة
-